صديق الحسيني القنوجي البخاري
20
فتح البيان في مقاصد القرآن
من الكفر والعداوة نَعُدْ بتسليط المؤمنين عليكم ونصرهم كما سلطناهم ونصرناهم في يوم بدر ، وقال قتادة : نعد لكم بالقتل والأسر . وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ أي جماعتكم شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ أي لا تغني عنكم في حال من الأحوال ولو في حال كثرتها ، ثم قال وَإِنْ بالكسر استئنافا وبفتحها على تقدير اللام اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي محمد وأصحابه قاله السدي ومن كان اللّه معه فهو المنصور ومن كان اللّه عليه فهو المخذول . وقيل إن الآية خطاب للمؤمنين والمعنى إن تستنصروا اللّه فقد جاءكم النصر في يوم بدر ، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم وفداء الأسرى قبل الإذن لكم بذلك وعن التكاسل في القتال والرغبة عما يختاره الرسول فهو خير لكم وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم كما في قوله لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية . ولا يخفى أنه يأبى هذا القول معنى وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً ويأباه أيضا أن اللّه مع المؤمنين وتوجيه ذلك لا يمكن إلا بتكلف وتعسف . وقيل إن الخطاب في إن تستفتحوا للمؤمنين وفيما بعده للكافرين ، ولا يخفى ما في هذا من تفكيك النظم وعود الضمائر الجارية في الكلام على نمط واحد إلى طائفتين مختلفتين . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أمر اللّه سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله في أمر الجهاد لأن فيه بذل المال والنفس ، وَلا تَوَلَّوْا نهاهم عن التولي عن رسوله ، فالضمير في عَنْهُ عائد إلى الرسول لأن طاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هي من طاعة اللّه مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ويحتمل أن يكون راجعا إلى اللّه وإلى رسوله كما في قوله : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] وقيل راجع إلى الأمر الذي دل عليه أطيعوا . هذا تفسير الآية على ظاهر الخطاب للمؤمنين وبه قال الجمهور وقيل إنه خطاب للمنافقين ، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط قال ابن عطية : وهذا وإن كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا لأن اللّه وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو التصديق ، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء . وأبعد من هذا من قال الخطاب لبني إسرائيل فإنه أجنبي من الآية وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين والقرآن والمواعظ وتصدقون بها ولستم كالصم البكم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 21 إلى 24 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )